الحراكُ الشّبابيُّ ينهضُ مُجددًا

الثلاثاء, 17 كانون الثاني 2012
هاني المصري

بعد كُمُونٍ لأشهرٍ عدّة، عاد الحراك الشّبابيّ بأشكال جديدة. في البداية، كان التحرّك في الشهر الماضي ضد لقاءات تطبيعية، توجت بحفلة رأس السنة في ديوان ياسر عرفات، واحتجاجًا على تنظيم حفلات يشارك فيها مطربون غنّوا لجيش الاحتلال، وعزفوا على دماء الشعب الفلسطيني.

يوم السبت الماضي، وبعد النجاحات التي حققوها بإلغاء العديد من اللقاءات التطبيعية، بما فيها حفلة مطرب الجيش الإسرائيلي، خرج شباب الحراك احتجاجًا على المفاوضات التي استؤنفت تحت غطاء المصالحة واستجابة للمبادرة الأردنية، وسميت للتموية “استكشافية”، بالرغم من أنها تجري بعد عشرين عامًا على بدء المفاوضات بعقد مؤتمر مدريد، وأنها تناولت مختلف قضايا الوضع النهائي، وعلى رأسها قضيتا الحدود والأمن.

وقف الشباب أمام المقر الرئاسي، تحت المطر الشديد، ورفعوا شعارات، ورددوا هتافات، مثل: “لا لعودة المفاوضات نعم لعودة اللاجئين”، “قرفتونا مفاوضات”، “لا للاستهتار بعقول شعبنا”، “لا للمفاوضات نريد إستراتيجية وطنية موحدة”، “والله الشعب مش أهبل”، “هرمنا من المفاوضات”، وطلب الشباب من السائقين المارين إذا كانوا يوافقون على وقف المفاوضات أن يزمّروا، وكانت الاستجابة كبيرة.

لقد كسر الحراك الشبابيّ حالة الصمت الرهيب التي تميز بها الشارع الفلسطيني، الذي لم يتحرك كما كان متوقعًا بالرغم من الربيع العربي، مع العلم أنّ الشعب الفلسطيني هو مفجّر الانتفاضات والثورات و”أبو الربيع العربي” كما أسماه المنصف المرزوقي رئيس تونس، صاحبة المبادرة بإطلاق الثورة. ولم يحرك الشارع الفلسطيني أيضًا التصاعد الجنوني في تطبيق المخططات الاحتلالية التوسعية والاستيطانية والعنصرية، التي ترافقت بتصعيد غير مسبوق لاعتداءات المستوطنين، حيث طالت الشجر والحجر والإنسان، وركّزت على الأماكن الدينية، خاصة المساجد والمقابر في الضفة وداخل أراضي 1948.

إن التحرك الشبابي الجديد مناسبة لتقييم تجربة العام الماضي التي بدأت واعدة، وانتهت بسرعة. فما السبب أو الأسباب وراء ذلك؟ الشباب هم الأقدر على تقييم تجربتهم، ولكنني كمراقب من بعيد، سأحاول المساعدة من خلال طرح بعض الأسئلة والنقاط، ولعلها تفيد شعار التحرك الرئيسي.

قد يقول قائل: إن القمع السافر، أو الناعم، أو الاحتواء هو السبب الرئيسي وراء وقف التجربة التي ساهمت بشكل ملموس في تحريك ملف المصالحة، ولكن هذا لوحده لا يكفي لتفسير ما حدث، لأن القمع بكل أشكاله كان متوقعًا، فالثورة إن كانت ناضجة لا يوقفها قمع مهما بلغ. فما العامل الأساسي الذي أدى إلى وقف الحراك، وما رافقه من آمال كبيرة بحجم المعاناة، والحاجة إلى تغيير في الساحة الفلسطينية طال انتظاره كثيرًا؟

لقد رفعت المجموعات الشبابية شعارات عديدة، مثل: إنهاء الاحتلال، وإنهاء الانقسام، وإلغاء اتفاق أوسلو، وحق العودة، والتمثيل الفلسطيني عبر التركيز على انتخابات المجلس الوطني. وهناك مجموعات دعت إلى تصعيد المقاومة، ورفض المفاوضات، واعتماد إستراجية جديدة، وإلى إسقاط سلطتي الضفة وغزة، وأخرى دعت حتى إلى إسقاط الفصائل، وحل السلطة. وأيضًا دعت مجموعات أخرى كذلك إلى الدولة الواحدة، أو العودة إلى شعار تحرير فلسطين .

لقد حاز شعار “الشعب يرديد إنهاء الانقسام” على تأييد الأغلبية، وبات عنوانًا للتحرك كله. وهذا أمر مفهوم، لأن الجميع يدرك أنه دون إنهاء الانقسام لا يمكن أن تندلع انتفاضة جديدة قادرة على إنهاء الاحتلال، فالربيع الفلسطيني لا يكون إلّا بإنهاء الاحتلال.

الإجماع على شعار إنهاء الانقسام، وكونه عملية وليس هدفًا مباشرًا يؤدي تحقيقه إلى تغيير جوهري يشعر به الجميع، وهو شعار ليس موجهًا ضد طرف بعينه، بل يردده الجميع، حتى الجماعات المستفيدة من الانقسام؛ يطرح سؤالًا: ما هو الشيء أو الأشياء التي يؤدي تحقيقها إلى إنهاء الانقسام، والذي يؤدي بدوره إلى إنهاء الاحتلال؟

لقد ساهم في وقف التجربة السابقة أن الإجماع على الشعار أدى إلى توقعات بين الشباب بأن الاستجابة الشعبية ستكون كبيرة وسريعة، وأن الاستجابة الرسمية لن تتاخر كثيرًا. وما حدث، أن الاستجابة في الضفة كانت متواضعة، وأن المشاركين من أفراد الأجهزة الأمنية كانوا هم الأغلبية.

أما في غزة، فكانت الاستجابة كبيرة، لكنها تعود إلى ضغط الحصار، وإدراك الناس بأنه من دون مصالحة لا يمكن إنهاء الحصار، مع أن ما حدث بعد ذلك بسبب الثورة المصرية أثبت بأن تخفيف الحصار بات ممكنًا دون إنهاء الانقسام.

لقد ساهم توقيع اتفاق المصالحة في إضعاف الحاجة إلى التحرك الشبابي. هناك نقطة بالغة الأهمية لتفسير ما حدث، وهي أن هناك اعتقادًا منتشرًا كثيرًا بأن المصالحة ستؤدي إلى مقاطعة الضفة الغربية وحصارها أسوة بما هو حادث في غزة، وهو اعتقاد أوجدته السلطة، وتغذيه باستمرار من خلال اشتراطها على الحكومة الوفاقية المرتقبة الالتزام بشروط الرباعية حتى لا تتعرض للحصار.

إذا كانت المسألة المحافظة على السلطة وليس كيف ننهي الاحتلال، بالتالي نصبح جميعًا رهائن لتحويل العائدات التي تجمعها إسرائيل، وللمساعدات، خصوصًا الأميركية التي لا تخفي الإدارة الأميركية أنها تهدف لحماية إسرائيل واحتلالها.

توحيد المؤسسات وليس تشكيل الحكومة واللجان المتعلقة بالحريات والانتخابات والمصالحة المجتمعية هو الدليل الرئيسي على إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات بحاجة إلى رؤية إستراتيجية جديدة، وإلى برنامج يجسد القواسم المشتركة التي تُجمِع الفلسطينيين بغض النظر عن معتقداتهم، وأحزابهم، وبرامجهم المتعددة التي ستبقى، لكنّها ليست بديلًا عن البرنامج الموحد.

لا أهدف مما سبق أنْ أُبَسّط المسألة المعقّدة جدًا، فكما سبق فإن المسألة الحاسمة ذات الأولوية ليست تحقيق المصالحة والانقسام،حتى تأتي المصالحة في سياق يخدم المهمة الأساسية المطروحة على الفلسطينيين وهي إنهاء الاحتلال. والمصالحة على أساس إقرار شروط الرباعية والاستمرار باتفاق أوسلو حتى بعد تخلي إسرائيل عنه لا يساعد على إنهاء الاحتلال، وإنما إلى تكريسه، وعندما توضع المسألة على هذا الأساس، أي على حقيقتها، سيتصرفون بشكل مختلف، ولن تبقى السلطة والمساعدات هي التي تحدد الموقف الفلسطيني .

تأسيسا على ما سبق، أؤكد على أن معظم الشعارات التي طرحتها المجموعات الشبابية صحيحة، ويجب أن تبقى مطروحة، ولكن لا بد أن يكون ذلك ضمن رؤية إستراتيجية جديدة بديلة عن الإستراتيجيات المعتمدة، خصوصًا إستراتيجية المفاوضات، التي أصبح استمرار التمسك بها بعد كل الذي جرى أكبر من مجرد خطأ بل خطيئة لا تغتفر.

لا بديل عن إجراء مراجعة جريئة وشاملة لكل التجارب والإستراتيجيات، وتحديد: أين أصبنا وأين أخطأنا؟، واستخلاص الدروس والعبر، وفتح مسار جديد قادر على توحيد الشعب والسير به على طريق تحقيق أهدافه. مسار إستراتيجيّ جديد يستند على الفضاء الإستراتيجي الذي فتحة الربيع العربي، وقادر على توظيف المتغيرات العربية والإقليمية والدولية لصالح القضية.

إن حجر الزاوية في المسار المطلوب هو إعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أساس شراكة حقيقية، وبشكل ديموقراطي، ضمن برنامج يجسد القواسم المشتركة بعيدًا عن شروط الرباعية، والحل القريب، والدولة على مرمى حجر.

إن هذا المقال لن يخدم هدفه ما لم يشتمل على وقفة، ولو سريعة، أمام عدم اندلاع انتفاضة جديدة، بالرغم من أن ما هو قائم الآن كان أقل منه بكثير يؤدي إلى انتفاضة. الانتفاضة تندلع عندما تصل الأمور إلى درجة لا يستطيع فيها الشعب تحمُّلَ الواقع الذي يعيشه، ويشعر فيه بأنه قادر على تغييره.

الشعب الفلسطيني بسبب أن بلاده تحت الاحتلال يشعر دائمًا بأنه لا يستطيع تحمل استمرار الاحتلال، وهو الآن يعيش هذا الشعور، خصوصًا في ظل تصاعد العدوان، والاستيطان، ومحاولات تغيير الواقع، وفرض الحل الاسرائيلي، مستهدفًا بشكل مُرَكَّزٍ القدس؛ لإخراجها من أجندة المفاوضات حاليًا ومستقبلًا.

الجديد الذي يكبل تحرك الشعب الفلسطيني، كما لم يحدث من قبل، أنه غير مقتنع بأن انتفاضة جديدة قادرة على تحقيق ما لم تحققه الانتفاضات السابقة. في الانتفاضة الأولى كان الهدف واضحًا، والقيادة موحدة. وكان الاعتقاد السائد أن الدولة على مرمى حجر.

أما الاتفاضة الثانية فجاءت كرد فعل على زيارة شارون إلى الأقصى، وعلى فشل قمة كامب ديفيد، وسط شعور عارم، خصوصًا لدى القيادة، بأن انتفاضة صغيرة وبعض العمليات العسكرية يمكن أن تؤدي إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وتحسين شروطها، والتوصل الى اتفاق وإقامة دولة

لم تطابق حسابات الحقل حسابات البيدر، وحكومة باراك ثم حكومة شارون استغلت الغضب الأميركي، واستخدام المقاومة المسلحة، خصوصًا ضد المدنيين، لشن حرب شعواء ضد الفلسطينيين، بهدف التخلص من بقايا أوسلو وفرض الحل الاسرائيلي، وما يقتضيه ذلك من ضرورة تغيير قيادة ياسر عرفات، الذي رفض مواصلة طريق التنازلات عندما أدرك أنها لن توصل إلى تحقيق حلمه التاريخي بإقامة دولة فلسطين.

بعد الخسائر والدمار المترتبة على الحرب الإسرائيلية، وبعد تغيير القيادة الفلسطينية الذي بدأ في أواخر عهد عرفات واستمر بشكل أكبر بعد اغتياله؛ تصورت القيادة الجديدة أن بمقدورها تحقيق ما عجز عرفات عن تحقيقه، بأن تعالج فشل المفاوضات بالمزيد من المفاوضات والالتزام بتطبيق الاتفاقيات، ولو من جانب واحد.

هذا الطريق جُرِّب، ووصل إلى نهاية أسوأ من سابقه، بالرغم من التنسيق الأمني ورفض الانتفاضة والمقاومة.

الانتفاضة بحاجة إلى هدف تحققه، وإلى قيادة ووحدة وطنية، خصوصًا على الهدف وأشكال النضال، والانتفاضة بحاجة إلى شعب يثق بقيادته، ومستعد للتضحية من أجل تحقيق أهدافه.

إن معظم هذة الشروط غير متوفرة، لذلك لم نشهد الربيع الفلسطيني حتى الآن، وهناك بوادر متلاحقة، أبرزها الحراك الشبابي، وخطاب الرئيس في الأمم المتحدة، وحديثه عن ضرورة إيجاد بدائل وخيارات جديدة، ولكنها غير كافية، خصوصًا إذا استخدمت مجرد تكتيك للعودة لخيار المفاوضات ومحاولة تحسين شروطه، فلا بد من مغادرة الرهان على طريق المفاوضات. فمن دون نضال قادر على تغيير موازنين القوى لا يوجد حل وطني.

Hanimasri267@hotmail.com

الرابط للمقال الأساسي من موقع : المركز الفلسطيني للإعلام والدراسات والأبحاث

Tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>